سيد محمد طنطاوي
15
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ) * أي : ألم يأتكم يا معشر الكافرين نذير في الدنيا ، ينذركم ويخوفكم من أهوال هذا اليوم ، ويدعوكم إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده . ثم حكى - سبحانه - ما رد به الكافرون على خزنة جهنم فقال : * ( قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ . . ) * . أي : قال الكافرون - على سبيل التحسر والتفجع - في ردهم على خزنة جهنم : بلى لقد جاءنا المنذر الذي أنذرنا وحذرنا من سوء عاقبة الكفر . . ولكننا كذبناه ، وأعرضنا عن دعوته ، بل وتجاوزنا ذلك بأن قلنا له على سبيل العناد والجحود والغرور : ما نزل اللَّه على أحد من شيء من الأشياء التي تتلوها علينا ، وتأمرنا بها ، أو تنهانا عن مخالفتها . وقوله : * ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) * يحتمل أنه من كلام الكافرين لرسلهم الذين أنذروهم وحذروهم من الإصرار على الكفر . أي : جاءنا الرسل الذين أنذرونا . . فكذبناهم ، وقلنا لهم : ما نزل اللَّه من شيء من الأشياء على ألسنتكم . . وقلنا لهم - أيضا - ما أنتم إلا في ضلال كبير ، أي : في ذهاب واضح عن الحق ، وبعد شديد عن الصواب . ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة ، أي : قال لهم الملائكة على سبيل التجهيل والتوبيخ : ما أنتم - أيها الكافرون - إلا في ضلال كبير ، بسبب تكذيبكم لرسلكم ، وإعراضكم عمن حذركم وأنذركم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : * ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) * من المخاطبون به ؟ قلت : هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين ، على أن النذير بمعنى الإنذار . والمعنى : ألم يأتكم أهل نذير : أو وصف به منذروهم لغلوهم في الإنذار ، كأنهم ليسوا إلا إنذارا . . ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول : أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا ، أو أرادوا بالضلال : الهلاك . . « 1 » . وجمع - سبحانه - الضمير في قوله * ( إِنْ أَنْتُمْ . . ) * مع أن الملائكة قد سألوهم * ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ) * بالإفراد ، للإشعار بأن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بتكذيب النذير الذي أنذرهم ، بل كذبوه وأتباعه الذين آمنوا به . فكأن كل فوج منهم كان يقول للرسول الذي جاء لهدايته : أنت وأتباعك في ضلال كبير .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 578 .